رؤى أنا أختار

طفلي؟ مستحيل يفعل ذلك!

لا نستطيع مراقبة كل شاشة… لكننا نستطيع أن نغرس الوعي خلف كل قرار.

طفل يجلس وحيدًا إلى مكتبه في غرفة مظلمة، وظهره إلى الكاميرا، يضيئه وهج شاشة الحاسوب، بينما تجتمع أسرته في غرفة دافئة الإضاءة خلف الباب المفتوح.
→ العودة إلى المدونة

كل أبٍ وأمٍّ يعتقدان ذلك. تكشف مؤسِّسة «أنا أختار» ما تقوله الأرقام، ولماذا تبدأ حماية أبنائنا بما نغرسه في نفوسهم.

مليون ومئتا ألف طفل.

هذا هو العدد التقديري للأطفال الذين استُخدمت صورهم، خلال عام واحد وفي 11 دولة فقط، لإنتاج محتوى جنسي مفبرك باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفقًا لأبحاث أجرتها اليونيسف بالتعاون مع ECPAT والإنتربول. وفي بعض تلك الدول، بلغت النسبة طفلًا واحدًا من بين كل 25 طفلًا.

ليست هذه مخاطر بعيدة عن واقعنا. فقد أكدت اليونيسف أن الصور الجنسية المفبركة للأطفال باستخدام الذكاء الاصطناعي تُعدّ مواد اعتداء جنسي على الأطفال، وأن الأذى الذي يتعرض له الطفل حقيقي، حتى وإن كانت الصورة مزيفة.


وقد تترتب على ما يراه بعض الأطفال مجرد مزحة عواقب قانونية خطيرة.

فكم من أبٍ أو أمٍّ كان سيقول قبل وقوع ذلك: «طفلي؟ مستحيل يفعل ذلك!»؟

اليوم، يستطيع طفل يحمل هاتفًا ذكيًا أن يصنع مقطع فيديو خلال ثوانٍ. أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات التعديل والمؤثرات الرقمية أصبحت متاحة وسريعة وسهلة الاستخدام. وكثير مما ينتجه الأطفال من خلالها إبداعي ومسلٍّ ولا ينطوي على ضرر.

لكن ما يقلقني حقًا ليس الصورة وحدها، بل ما قد يأتي بعدها.


حين يصبح إنتاج ما يتخيلونه ممكنًا بضغطة زر، قد تتلاشى الحدود بين المزاح والإيذاء. صورة تتبعها أخرى، ومزحة تتجاوز حدودها، وفضول يتحول إلى إساءة أو إذلال، قبل أن يتوقف أحد ليسأل عن العواقب.

وحين يتكرر تقديم السلوك المؤذي على أنه مادة للضحك والتسلية، يصبح السؤال أعمق من التكنولوجيا نفسها:

ماذا يتعلّم أبناؤنا عن التعاطف؟ وعن كرامة الإنسان؟ وعن مسؤوليتهم تجاه الآخرين؟

هذا هو السؤال الذي يشغلني أكثر من أي شيء آخر.


الحماية وحدها لا تكفي

لن نستطيع مراقبة كل تطبيق، أو منع كل رابط، أو متابعة كل ما يظهر على شاشات أبنائنا. فالتكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من قدرة أي نظام رقابي على مواكبتها.

لا شك أن القواعد وأدوات الحماية ضرورية. لكنها تظل أسوارًا، وليست بوصلة.

فالسور يمكن تجاوزه، أما البوصلة فترافق الإنسان أينما ذهب.

وهنا يكمن الفرق بين أن نحاول حماية أبنائنا من كل موقف، وأن نمنحهم ما يساعدهم على التعامل معه حين نغيب.


ما الذي نستطيع أن نغرسه في أبنائنا؟

قد لا نستطيع التحكم فيما يصل إلى الطفل، أو في اللحظة التي تدفعه فيها الرغبة أو الفضول إلى إنتاج محتوى أو مشاركته.

لكننا نستطيع أن نُنمّي لديه القدرة على التوقف قبل التصرف.

أن يفهم مشاعره، سواء كانت فضولًا أو غضبًا أو رغبة في مجاراة الأصدقاء.

أن يفكر فيمن قد يتأذى من قراره.

أن يدرك أن خلف الصورة إنسانًا حقيقيًا، له مشاعر وكرامة.

أن يمتلك الشجاعة ليقول «لا»، والثقة ليلجأ إلى شخص بالغ حين يشعر بأن أمرًا ما ليس صحيحًا.

هذه ليست مهارات تقنية. إنها مهارات اجتماعية وعاطفية وسلوكية، يمكن تنميتها بالممارسة والتأمل والتوجيه.


سبعة أسئلة قبل ضغطة واحدة

قبل أن ينشئ الطفل محتوى أو يشاركه أو يتفاعل معه، نريده أن يتعلم التوقف ليسأل نفسه:

  1. هل ما أراه حقيقي، أم صُمّم ليبدو كذلك؟
  2. هل أقبل أن يفعل أحدهم بي ما أفكر في فعله بالآخرين؟
  3. كيف سيشعر الشخص المعني لو رأى ما أنشره؟
  4. ماذا لو خرج هذا المحتوى من حدود المحادثة وانتشر؟
  5. هل يتوافق ما أفعله مع القانون وأنظمة مدرستي؟
  6. هل أدرك العواقب التي قد تترتب على قراري؟
  7. إلى من ألجأ إذا شعرت بأن هناك أمرًا خاطئًا؟

الطفل الذي يتعلم أن يسأل قبل أن يتصرف، أكثر استعدادًا من طفل لا يعرف سوى ما هو مسموح وما هو ممنوع.


بين المدرسة والبيت… تبدأ الثقة

في المدرسة، لا يكفي أن نعلّم الطلبة القواعد. علينا أن نمنحهم فرصًا لفهم المواقف، ومناقشة الخيارات، والتفكير في نتائج قراراتهم، وأن نوفر لهم بيئة آمنة للإبلاغ عما يتعرضون له دون خوف من اللوم.

وفي البيت، لا ينبغي أن تبدأ المحادثة بعد وقوع المشكلة.

فلنتحدث مع أبنائنا قبل أن يحتاجوا إلى المساعدة، ولنمنحهم الثقة بأننا سنستمع إليهم حين يواجهون موقفًا صعبًا.

فالطفل الذي يخشى العقاب قد يختار الصمت، أما الطفل الذي يثق بأنه سيُسمع، فسيكون أكثر استعدادًا للكلام.


وإذا وقع الضرر بالفعل؟

حين تصل إلى الطفل صورة أو رسالة أو مقطع مؤذٍ، فإن طريقة التعامل مع الموقف قد تصنع فرقًا كبيرًا:

  • لا تعِد إرسال المحتوى، حتى لو كان الهدف تحذير الآخرين.
  • لا تحفظ نسخًا من الصور أو المقاطع المؤذية أو تعِد نشرها.
  • لا تحاول التحقيق بنفسك أو مواجهة المُرسل، بل اترك التعامل مع الأمر للبالغين والجهات المختصة.
  • دوّن المعلومات الأساسية: من أرسل المحتوى، ومتى، وعبر أي وسيلة.
  • أخبر شخصًا بالغًا موثوقًا في البيت أو المدرسة.
  • أبلغ المنصة الرقمية والمدرسة، واتصل بالجهات المختصة فورًا إذا كان الطفل في خطر. وعلى المدارس اتباع إجراءات حماية الطلبة وحفظ الأدلة المعتمدة لديها.
  • إذا كان الطفل هو المتضرر، فأكّد له أنه ليس مسؤولًا عما تعرّض له. فاللوم قد يجعله أقل استعدادًا لطلب المساعدة مستقبلًا.

أحيانًا، تكون أول خطوة في حماية الطفل هي أن يشعر بالأمان حين يقرر أن يتحدث.


إلى القيادات التربوية: هل نُعدّ أبناءنا قبل وقوع الموقف؟

لا يمكن أن يقتصر الوعي الرقمي على محاضرة تُعقد بعد وقوع حادثة، أو حملة توعوية تنتهي بانتهاء أسبوعها.

فحين نبدأ الحديث بعد انتشار المقطع، قد يكون الضرر قد وقع بالفعل.

ما نحتاج إليه هو فرص مستمرة للتجربة والتفكير والمناقشة، تتطور مع نمو الطلبة، وتحظى بالجدية نفسها التي نمنحها للمهارات الأساسية في التعليم.

إلى كل قائد تربوي، وكل مسؤول عن تطوير التعليم، وكل شريك يؤمن بمستقبل أبنائنا:

لم يعد السؤال: هل سيواجه أبناؤنا هذه المواقف؟

بل: هل أعددناهم لاتخاذ قرارات مسؤولة حين يواجهونها؟


لهذا أسّستُ «أنا أختار»

حين بدأت التفكير في «أنا أختار»، كان هناك سؤال لا يفارقني:

عندما تأتي اللحظة، ولا يكون هناك أب أو أم أو معلم بجانب الطفل… ما الذي سيوجّه قراره؟

من هذا السؤال انطلقت رؤيتي.

في «أنا أختار»، نضع الطلبة أمام مواقف مستوحاة من الحياة الواقعية، وندعوهم إلى اتخاذ قراراتهم، والتأمل في اختياراتهم، والعودة إليها ليروا كيف يتطور تفكيرهم مع الوقت.

ومن بين هذه المواقف ما يرتبط بحياتهم الرقمية، حيث قد يفصل بين التفكير والتصرف مجرد ثوانٍ.

لم أؤسّس «أنا أختار» لنختار نيابةً عن أبنائنا، بل لنساعدهم على تنمية الوعي والمهارات التي يحتاجون إليها ليختاروا بأنفسهم.


القرار لهم… ومسؤولية الإعداد لنا جميعًا

لن نستطيع الوقوف إلى جانب كل طفل أمام كل شاشة.

ولن نستطيع اتخاذ كل قرار نيابةً عنه.

لكننا نستطيع أن نساعده على التوقف، والتساؤل، وإدراك أثر أفعاله، والاختيار بوعي ومسؤولية.

فحماية أبنائنا لا تقوم فقط على ما نمنعه عنهم، بل على ما نغرسه في داخلهم.

ينتهي الموقف… لكن النمو يستمر.

وما من طالبٍ ينمو وحده.


إيمان العتيبي
المؤسِّسة والرئيسة التنفيذية لمنصة «أنا أختار»


المصدر: اليونيسف، «Deepfake abuse is abuse»، 4 فبراير 2026.